آخر الأخبار

اليوم التالي للحرب الإقليمية

1 (1)

أيهم السهلي

من غير الواضح كيف ستنتهي هذه الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل، فأبوابها ما زالت تُفتح، وآخرها ليلة أمس، حين أُطلقت 6 صواريخ من جنوب لبنان، تبنّاها «حزب الله».
بدأت الحرب السبت بهجوم شنّته أميركا وإسرائيل على إيران، لكنها وبدقة أكثر، بدأت قبل ذلك بكثير، يوم خرجت كتائب القسام من قطاع غزة نحو الأراضي المحتلة عام 1948، أي في السابع من أكتوبر، التاريخ الذي سيسجّل أنه غيّر المنطقة تماماً، وربما ساهم في ترسيم حدود جديدة، ونفوذ قوى قائمة وجديدة في المنطقة.

من غير المرجّح أن الذين خطّطوا لعملية «طوفان الأقصى» فكّروا في كل ما يحدث في المنطقة من ذلك الحين وحتى اليوم، ليس لأنهم يفتقدون القدرات، إلا أن دورهم يقتصر على التفكير التكتيكي على الأغلب، فهم ليسوا أكثر من حركة تحرر وطني فلسطينية. ولأن «حزب الله» على سبيل المثال، دوره تعدّى الداخل اللبناني، أو المواجهة من خلال الداخل اللبناني، فقد اقتصر حضوره في هذه الحرب في بداياتها على الإسناد الذي أدّى بعد أقل من عام إلى حرب على لبنان استمرت 62 يوماً.

وبينما كان الحزب يقدّم «الإسناد» لأنه كان ينظر إلى الموضوع استراتيجياً، ولأنه مرتبط عضوياً بإيران التي تفكّر كدولة، وليس كحزب أو حركة، فإنه واظب على أسلوب قتال يجنّبه الحرب، لكنه ربما ظن أن القواعد مع إسرائيل ما زالت على حالها، وتقاس بميزان الذهب. وهو ما تأكد أنه غير صحيح، حين شنّت إسرائيل حربها على لبنان، بدءاً بعملية أمنية مُعقّدة في 17 أيلول 2024، بتفجيرها أجهزة البيجر، عدا موجة اغتيالات (مستمرة منذ بدء الإسناد) طاولت قادة كباراً، على رأسهم الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله.

ولأن موازين الحروب تقاس بمدى الفعالية في الحرب، والقدرة على الصمود والتصدّي، ودكّ حصون العدو وإلحاق الضرر به، فإن الحزب وافق على اتفاق لم يكن في صالحه، وإن كانت موافقته على مضض، كما تبيّن لاحقاً. لكنها موافقة بطعم الدم، فقد دفع منذ دخولها حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024، ثمناً بلغ حوالي 400 شهيد، وغارات لم تتوقف يوماً طاولت مواقع وحصوناً للحزب، في حين أنه ظل صامتاً من دون أي رد فعل كان، سوى البيانات، وخطابات الأمين العام الشيخ نعيم قاسم الذي توعّد في بعضها بالرد القاسي.

واليوم مع دخول الحرب الإيرانية يومها الرابع، واغتيال مرشد الثورة السيد علي خامنئي، بادر «حزب الله» إلى إطلاق صواريخ من جنوب لبنان ليلة البارحة، وأصدر بياناً تبنّى فيه العملية، وعقب الإطلاق، هاجمت إسرائيل لبنان في مواقع عدة، بينها الضاحية الجنوبية لبيروت، قالت إنها تتبع للحزب، علماً أن معظم هذه المواقع، هي مواقع مدنية، بحسب ما قال ناشطون، ووسائل إعلام لبنانية. واستمرت إسرائيل خلال نهار أمس بمهاجمة مواقع جديدة، بإرسال إنذارات قبل الهجوم، أو من دون. وأدّت هذه الهجمات إلى اغتيالات عدة لشخصيات يبدو أنها رفيعة في صفوف الحزب.

من بين أهداف هذه الحرب في استراتيجيتها لدى أميركا وإسرائيل، أو إسرائيل على وجه الدقّة، تقسيم إيران، واقتسام النفوذ فيها، وتقسيم المنطقة كلها لاحقاً إلى دويلات دينية وطائفية وقومية

هذه المعركة التي من غير المعروف كيف ستكون في لبنان، وما إن كانت ستتوقف أو ستبقى في حدود لبنان، وضمن التصعيد الراهن، فإنها على الأغلب، هي معركة تدفيع الثمن. ثمن المحاولة في رفع الرأس في وجه إسرائيل، أو ما اصطلحت إيران تسميته «الاستكبار العالمي»، وكانت تقصد أميركا وإسرائيل والإمبريالية العالمية. وهذا الثمن الذي تجرّب أميركا وإسرائيل تدفيعه للمنطقة وقواها، كان من المفروض أن ينتبه إليه المعنيون قبل أكثر من عامين، يوم وقع هجوم «القسام» وبان حجمه، وبالتالي النتائج التي ستترتب عليه. وكان من تلك اللحظة ربما يجب التصرف على أساس تقدير موقف دقيق، لأن الفهم القائم على أن إسرائيل صنيعة الغرب، يستدعي بالضرورة فهماً لشكل وأسلوب التدخل الغربي لحماية إسرائيل، وبالتالي ما يمكن أن يحدث.

لكن، ومع ضرورة المراجعة، فإننا أولاد اليوم، وقد حدث ما حدث. وإن كان بالإمكان فعل شيء، فهو فهم ما هو قائم، ووضع تقدير موقف دقيق وواضح لما هو قادم. ووضع سيناريوهات عدة، تحاكي الاحتمالات والنتائج المختلفة، من ضمنها تلك السيئة جداً والأسوأ، وذلك ليُبنى على الشيء مقتضاه، ولا سيّما أن من بين أهداف هذه الحرب في استراتيجيتها لدى أميركا وإسرائيل، أو إسرائيل على وجه الدقة، تقسيم إيران، واقتسام النفوذ فيها، وتقسيم المنطقة كلها لاحقاً إلى دويلات دينية وطائفية وقومية، من دون مقوّمات، باستثناء القبول بهذا الواقع الجديد الذي يراد للمنطقة أن تعيشه وتتعايش معه.

ومن شأن ذلك ضمان إسرائيل دولة يهودية قوية حاكمة متحكّمة في المنطقة، تشرف على إدارة المقدّرات والموارد، وطرق التجارة، والمتاجرة بين من ومن. وكل هذا من الممكن أن يحدث من دون اتفاقيات تطبيع لم تعد تعني إسرائيل كثيراً، فهي معنية أكثر بعملية التتبيع باتفاق«سلام» أو «أمني»، أو حتى من دونها.

من شأن هذه الحرب لو انتصر فيها الغرب، أن يجعل إسرائيل دولة عظمى في القرار والحيثية الدولية، وليس الإقليمية فقط، كشريك للغرب مكتمل الأركان والأهلية، وليس كتابع مصنوع لأداء دور. وإذا ما نُظر إلى «مجلس السلام» الذي أسّسه ترامب، وقيل إنه بديل «الأمم المتحدة»، فإن إسرائيل التي حضرت الاجتماع قبل نحو أسبوعين، ستكون من قوائمه العتيدة، وستكون جزءاً من المتحكّمين في القرار العالمي، على شاكلة قسمة وتركة ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. ألسنا في الحرب الثالثة؟

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة