آخر الأخبار

العودة الى الميدان.. ضرورة!

1433734_1713894498_642537

كريم حداد

في خضمّ الأزمة اللبنانية المتجدّدة، يجد المراقب نفسه أمام مشهد مسرحي عبثي لا يُصدَّق لو ورد في رواية خيالية: حكومة تتحدّث عن السيادة ليلَ نهارَ، وتقرّر في الوقت ذاته ألّا يواجه جيشها المحتلّ الإسرائيلي المتمادي في اجتياحه لأرض الجنوب. ذريعتها في ذلك تبدو براغماتية في ظاهرها، لكنها في جوهرها اعتراف صريح بالعجز المطبق: إسرائيل قادرة على تدمير الجيش اللبناني في ساعات قليلة، فلماذا نُعرّضه للهلاك… هكذا تُسوَّغ قرارات التراجع والانسحاب إلى الثكنات!.

غير أن هذا المنطق ينطوي على مفارقة قاتلة: إذا كان الجيش يُحفظ في ثكناته خشية الفناء، فما معنى وجوده أصلاً؟ الجيوش وُجدت لتحمي الأرض والشعب، لا لتصون نفسها من القتال. الدولة التي تقول للعدو ضمنياً: «لن نقاومك» لا تُمارس السيادة، بل تُهديها طوعاً. وحين تطلب تلك الحكومة من المقاومة إخلاء منطقة جنوب الليطاني باسم «حصرية السلاح»، ثم تُقرّر هي بدورها عدم ملء الفراغ الذي تطلبه بالقوة الرادعة، فإنها لا تبسط السيادة، بل تفتح الباب على مصراعيه لمن يأتي من الشمال الإسرائيلي.

سقوط شعار «حصرية السلاح»

لسنوات طويلة، رُفع شعار «حصرية السلاح بيد الدولة» كإحدى أبرز نقاط الخلاف اللبناني الداخلي، وقد سال بسببه كثير من الحبر وكثير من الدم السياسي. وكان هذا الشعار يفترض ضمناً أن الدولة، حين تمتلك السلاح منفردة، ستوظّفه في خدمة الأرض والكرامة الوطنية. لكنّ الوقائع الجديدة كشفت أن الحصرية كانت في أحسن الأحوال وهماً جميلاً، وفي أسوئها غطاء خطابياً لإحداث فراغ أمني تملؤه إسرائيل.

فإذا كانت الحصرية تعني نزع سلاح المقاومة من جهة، ثم الامتناع عن استخدام سلاح الدولة من جهة أخرى، فإنها لا تعني في نهاية المطاف سوى العدمية الكاملة: لا سلاح هنا ولا سلاح هناك. وفي هذا الفراغ المسلّح يتمدّد الاحتلال ويرسّخ وقائعه على الأرض. الشعار الذي طنّت به الأسماع طويلاً ينهار اليوم أمام اختبار الحقيقة الوحيد الذي يُعتدّ به: اختبار الميدان.

هذا لا يعني أن النقاش حول طبيعة السلاح وهويته وتبعيته السياسية كان نقاشاً زائفاً في كل أبعاده، فثمة إشكاليات حقيقية حول الحوكمة والقرار الحربي وعلاقة المقاومة بالدولة. لكنّه يعني أن هذا النقاش النظري يفقد مشروعيته الأخلاقية حين يُفضي إلى ترك الأرض مكشوفة أمام الغزو. الأولويات لها تراتبية، وحين تُداس الأرض، يتراجع كل جدل آخر.

ليس الجنوب اللبناني مجرّد رقعة جغرافية على الخريطة، بل هو في وجدان أبنائه وأبناء البقاع وسائر الشرفاء من اللبنانيين ذاكرة جماعية مُكتنزة بالألم والكرامة والتضحية. هذه الأرض شهدت الاجتياحات المتكرّرة، وعرفت طعم الاحتلال الطويل من عام 1982 حتى عام 2000، وذاقت مرارة العدوان في عام 2006. وفي كل مرة، كان أهلها يثبتون أنهم لن يتركوها، حتى حين تتخلّى عنهم السياسة.

هذا الإرث الثقيل يضع على عاتق كل مَن يتحدّث باسم لبنان مسؤولية أخلاقية جسيمة. فالسيادة ليست تصريحاً إعلامياً ولا خطاباً في البرلمان، بل هي في نهاية المطاف الرجل الواقف على أرضه رافضاً الرحيل، الجندي المتحصّن في موقعه دفاعاً عن ذويه، الشاب الذي يعود إلى قريته المُهدّدة لا فراراً منها. حين تتخلى الحكومة عن هذا الجنوب، فإنها لا تتخلى عن قطعة أرض فحسب، بل عن رواية بأكملها وعن هوية جماعية لا يُعاض عنها.

الاختيار اليوم ليس بين الدولة والمقاومة، بل بين لبنان يمتلك إرادة الدفاع ولبنان يرضى بالاستسلام

في هذا السياق القاتم، ثمّة نداء ينبثق من قلب الأزمة: نداء الاعتذار والمراجعة. إن اللبنانيين الذين أغرقوا المقاومة في التهم والاتهامات، ووصفوها بكل النعوت القبيحة، وحمّلوها مسؤولية كل كارثة، مُطالَبون اليوم بأن يتوقفوا ليسألوا أنفسهم: مَن الذي وقف حين حانت ساعة الحقيقة، مَن الذي لم يتخلَّ عن موقعه حين هرب الآخرون؟

الاعتذار ليس ضعفاً ولا انقلاباً في القناعات السياسية، بل هو فعل نضج وطني يعترف بأن البلد في لحظات الخطر الوجودي يحتاج إلى توحيد الصفوف لا تشريدها. وحين يُقِرّ اللبنانيون بأنهم أساؤوا في أحيان كثيرة إلى من قاتل دفاعاً عن أرضهم، فإن هذا الإقرار يفتح باب الحوار الحقيقي، لا الحوار الذي يُدار تحت مواسم الهجوم والشتيمة.

وإذا كان ثمّة مَن يرى في المقاومة مشكلة هيكلية لا بد من حلّها، فليكن ذلك الحل من خلال الدولة التي تبني نفسها بجدّية وتُوفّر البديل الفعلي، لا من خلال نظرية الفراغ التي تدعو إلى نزع السلاح دون أن تملأ الفراغ الذي تُخلِّفه.

العودة إلى الميدان: ضرورة أم خيار؟

النداء الموجَّه إلى المقاومة بالعودة إلى جنوب الليطاني ليس نداء عاطفياً خالصاً، بل هو قراءة براغماتية في ضوء المعطيات القائمة. فالمشهد واضح: الجيش اللبناني مُقيَّد بقرار سياسي يمنعه من المواجهة، والحكومة تُدير ظهرها للأرض المحتلة، والقوات الدولية المتمركزة في الجنوب لا تملك صلاحية الردع الفعلي ولم تُثبِت يوماً قدرتها على وقف الاعتداءات الإسرائيلية.

في هذا الفراغ، مَن الذي يملأ الأرض إذا لم يفعل أبناؤها؟

الحروب لا تنتظر اكتمال المؤسسات، والاحتلالات لا تتوقف ريثما تحسم النخب خلافاتها. الواقعية السياسية تقول إن المقاومة في هذه المرحلة هي الورقة الوحيدة في يد لبنان، لا لأنها الحل المثالي، بل لأنها الحل الموجود في مواجهة العدو الموجود.
غير أن العودة إلى الميدان لا يجب أن تعني الرجوع إلى ما قبل أزمة 2023 على النحو ذاته. ثمة دروس مُكلفة تعلّمها لبنان بدمه، وثمة حاجة ماسة إلى صيغة تجمع بين فاعلية المقاومة الميدانية وانتسابها الرمزي والعملي إلى الدولة اللبنانية، حتى لا تتحوّل إلى ورقة في يد أجندات خارجية تُقرّر متى تُشعِل الجنوب ومتى تُطفئه.

ربما الأكثر إيلاماً في المشهد الراهن هو الفجوة الهائلة بين الخطاب الرسمي والواقع المَعيش. رئيس الحكومة يُكرّر عبارة «بسط السيادة لأول مرة في تاريخ لبنان» كما لو أنها وردٌ يُنثر في الهواء، في حين أن السيادة على الأرض غائبة أو منتقصة أو مُهانة. والسيادة ليست فتح مراكز للجمارك وتنظيم المعابر، رغم أهمية ذلك. السيادة في حدّها الأدنى تعني أن تُجيب الدولة على السؤال: ماذا تفعل حين يُداس ترابها؟

والجواب اللبناني الرسمي في المرحلة الراهنة هو: لا شيء، أو في أحسن الأحوال، بيان استنكار في مجلس الأمن. هذا الجواب لا يُشكِّل سيادة، بل يُشكِّل نموذجاً للدولة المسلوبة الإرادة التي تنتظر أن يرحمها أحد. ولعل الفارق الجوهري بين الدول التي تصمد والدول التي تتداعى يكمن في هذه اللحظة في الذات: لحظة اختيار المواجهة رغم الثمن، أو اختيار الهروب بذريعة الحفاظ على المؤسسات.
لبنان اليوم على مفترق مصيري حقيقي. الاختيار ليس بين الدولة والمقاومة كما يُصوَّر في الجدل السطحي، بل بين لبنان يمتلك إرادة الدفاع عن نفسه ولبنان يرضى بالاستسلام المُعلَن أو المُضمَر.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة