آخر الأخبار

اتّكِل على المقاومة ولو في الصين

1 (1)

هشام صفي الدين

عادت المقاومة إلى الميدان. منه أتت وفيه استبسلت ولأجله صبرت وعليه اتّكلت. صمدت لعقدين وانتصرت لعقدين وانتكست لقرابة سنتين. لكن رهان استئناف القتال اليوم ليس كمثله رهان لما يترتّب على نجاحه من مكاسب لا تُحصى وعلى فشله من أكلافٍ لا تُحتمل. هذه معركة تكاد تكون صفرية وهو ما يجعل الخصم والحليف في الداخل والخارج يترقّب نتائجها لحسم ما لم تحسمه الجولات السابقة. وحسابات الربح والخسارة ليست سهلة نظراً لحجم التضحيات وكثرة التعقيدات. لكن معايير تقييم النتائج بادية في مسار الصراع وتحوّلاته.

الخسارة تعني في أحسن الأحوال العودة إلى شروط وقف العمليات العدائية المذلّة قبل اندلاع الأزمة دون زيادة أو نقصان. في هذه الحالة، سيغدو من الصعب تبرير ما حدث بغضّ النظر عن أحقّية ما قام به الحزب من الناحية المبدئية (حق مقاومة الاحتلال) وربما الناحية العملياتية (استباق غزو إسرائيلي لم تكتمل أركانه). سيستغلّ خصوم الداخل، وما أكثرهم، ابتداء الحزب للمعركة (والذي اتسم بسوء الإخراج) وانكشاف تواجده جنوب الليطاني لتفعيل قرار الحكومة بتجميد أعماله الأمنية والعسكرية، أي السعي إلى القضاء على المقاومة.

وحينها، سيسعى المعسكر المعادي بدعم خارجي إلى فرض القرار الحكومي بالقوة، أي من خلال حرب أهلية. وفي حال تعذّر ذلك بسبب تمنّع قيادة الجيش أو التوازنات الطائفية، سيلجأ هذا المعسكر إلى استكمال خيار الموت البطيء بوتيرة أسرع عبر تصعيد الحرب المالية والاقتصادية والإعلامية لفك ارتباط الحزب ببيئته. لن تكون حينها هذه البيئة بنفس التماسك نظراً لمآخذ شرائح منها عن جدوى العودة إلى القتال وثمنه من نزوح وتشرّد من دون القدرة على تحقيق مكاسب عملية. سيؤدي ذلك إلى ضمور قدرة الحزب على المناورة والقبول بتسويات تصبّ في مسار تطبيعي ولو بعد حين.

والخسارة في أسوأ الأحوال تعني نجاح العدو في قضم المزيد من الأراضي أو احتلال أجزاء كبيرة من الجنوب فتصبح الثقة بقدرات المقاومة شبه معدومة في المدى المنظور ويستشرس العدو في التطهير العرقي والقتل والتدمير لتحقيق حلمه التوسعي. والأرجح في هذه الحالة أن تستمر المقاومة (كل احتلال يولّد مقاومة) لكن الخسارة الاستراتيجية ستتطلب سنوات وربما عقود لعكس مفاعيلها.

حظوظ كل من هذه السيناريوهات يتحدّد في الميدان قبل أن يُرسم على طاولة التفاوض

أمّا الفوز، فسقفه الأدنى تحسين شروط وقف الأعمال العدائية بحيث يلتزم بها الإسرائيلي بشكل كامل على صعيد وقف القصف والاغتيالات والتحليق بالمسيرات والتوغلات البرية مع البقاء في المواقع التي استولى عليها بعد حرب ٦٦ يوماً. وسقف الفوز الأعلى هو استكمال هذا الالتزام بانسحاب العدو من التلال التي احتلها وعودة ما تبقّى من نازحي حرب ٢٠٢٤ إلى القرى الحدودية يليها خطوات عملية لتحرير الأسرى ودوران عجلة إعادة الإعمار. في الحالتين، ولو بدرجات متفاوتة، ستنقلب الآية فتستعيد المقاومة كفكرة وكممارسة بريقها وتتعزّز كخيار استراتيجي وتاريخي لا غنى عنه بينما ينكشف عجز الديبلوماسية المغطاة بورقة توت السيادة عن تحصيل أي مكسب.

وحينها، ستكون المقاومة أمام مفترق طرق. إمّا أن تخوض عملية دمجها في إطار استراتيجية دفاعية، أي تتلبنن بالمعنى القطري الضيّق أو تعيد الاعتبار إلى معادلة الجيش والشعب والمقاومة فتحمي نفسها من الذوبان في دولة لم تمسّ نضالاً إلّا وأفسدته وتُبقي بذلك الباب مفتوحاً أمام آفاق الصراع مع الصهاينة حتى التحرير الكامل من البحر إلى النهر.

حظوظ كل من هذه السيناريوهات يتحدّد في الميدان قبل أن يُرسم على طاولة التفاوض. والميدان اليوم كما هو معلوم لا يقتصر على لبنان بل يمتدّ على طول الإقليم ليشمل إيران في المقام الأول وباقي الدول العربية في المقام الثاني. ربط الجبهة اللبنانية بالجبهة الإيرانية في التفاوض بأهمية ربطها في الحرب لضمان عدم استفراد العدو بالمقاومة كما كان مخططاً. وصمود إيران، على أهمية تماسك الجبهة الداخلية وقدرات الجمهورية الإسلامية العسكرية، مرهون على المدى الطويل بدعم أكبر وأجسر للصين ودول الجنوب غير المحسوبة على المحور الصهيو-أميركي نظراً لاختلال موازين القوى بشكل فاقع لصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

بينما تُراجع هذه الدول حساباتها وخطوطها الحمر وتتأرجح بين الدعم الخجول لقوى المقاومة والرضوخ للإملاءات الأميركية، تبدو وكأنها تتّكل على الحزب ومحوره ومعها في هذا الاتكال شعوب وأمم ومجتمعات ودول مهدّدة بالزوال أو الاستعباد الحديث. في المقابل، تخوض قوى المقاومة بالنيابة عن هؤلاء جميعاً غمار الصراع في وجه أعتى موجات الاستعمار الحديث. قد تصيب في استراتيجيتها وتكتيكاتها وخطابها وسياساتها الداخلية وقد تخطئ. لكنها تقاتل ببأس وإصرار وثبات قلّ نظيره في سجلات المقاومات المعاصرة. إمّا أن تُنصر فتنتصر أو نُهزم جميعاً.

* أستاذ جامعي

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة