آخر الأخبار

المقاومة في مواجهة الحرب المتعددة الأوجه: السلاح والسياسة والنفس

Doc-P-1401668-638901571924673571.webp

كريم حداد

مقدمة: حين تتعدد جبهات الحرب
لم تعد الحرب في زمننا هذا مقتصرةً على ما تحمله الطائرات من قنابل أو ما تطلقه الدبابات من قذائف. الحرب الحديثة متعددة الأوجه والأبعاد، تجمع بين الميدان العسكري والفضاء الإعلامي والعمق النفسي والاختراق السياسي. ومن يدرس المشهد اللبناني بعين فاحصة يجد نفسه أمام نموذج بالغ الخطورة والتعقيد؛ عدو يعجز عن حسم المعركة ميدانياً فيحوّل طاقته نحو تفكيك الجبهة الداخلية للمقاومة، ساعياً إلى أن ينجز بالمِشرط السياسي ما لم تنجزه الصواريخ الموجّهة.
وفي قلب هذه المعادلة المركبة يقف واقع عسكري صارخ: مقاتلو المقاومة يواجهون القوات الإسرائيلية المتحصنة والمدرّعة بسلاح فردي، دون تغطية جوية ودون تدريع يصون أجسادهم، في حين يلجأ الجيش الإسرائيلي إلى القوة الجوية لتدمير المنازل وقتل المدنيين وتهجيرهم. هذا التناقض بين شجاعة المواجهة من جهة وإجرام الاستهداف المدني من جهة أخرى يرسم الصورة الأخلاقية الكاملة للصراع.
أولاً: معادلة اللاتكافؤ وما تكشفه
حين يقف المقاتل بسلاحه الفردي في مواجهة آلة حرب متكاملة، فإن السؤال الأول الذي يطرحه هذا المشهد ليس سؤالاً عسكرياً بحتاً، بل هو سؤال في علم النفس الاجتماعي وفلسفة الإرادة: ما الذي يجعل إنساناً يختار هذا الموقف بكل ما فيه من خطر وجودي؟ الجواب لا يمكن اختزاله في تفسيرات أيديولوجية مبسّطة؛ ثمة إحساس عميق بالانتماء إلى الأرض والمجتمع، وثمة تجربة تاريخية متراكمة من الاحتلال والتهجير تجعل المقاومة رداً وجودياً لا خياراً سياسياً فحسب.
في المقابل، يكشف سلوك الجيش الإسرائيلي المتكرر عن منطق مغاير تماماً. إن جيشاً يمتلك أحدث تقنيات الحرب الجوية والبرية والاستخباراتية، ويجد نفسه مضطراً للهروب من الاشتباك المباشر بالمقاتلين وتحويل نيرانه نحو الأحياء السكنية والمستشفيات والأسواق، إنما يكشف بذلك عن خلل بنيوي عميق: قوة تدمير هائلة من غير قدرة على كسر الإرادة الحقيقية للمقاومة. فالقنبلة التي تهدم منزلاً قد تصنع عشرة مقاتلين جدد من ركامه، والعائلة التي تُهجَّر اليوم ترسّخ في وعيها وذاكرتها أن المواجهة لا مناص منها.
ما بعد غزة لم يعد في الإمكان إخفاؤه: أكثر من ٧٠ ألف ضحية، غالبيتهم العظمى من المدنيين، مستشفيات محاصرة، ومناطق بأكملها محوّلة إلى صحراء من الأنقاض. هذا الجيش، الذي تروّج له حكوماته باعتباره الأكثر “أخلاقية” في العالم، يُسجّل التاريخ ضده توثيقاً لا يُمحى بأنه اختار منهجياً الأعزل على المسلح، والأطفال على المقاتلين، والمدرسة على الموقع العسكري.
ثانياً: التواطؤ الغربي – بنية لا موقف عارض
كثيراً ما يُقدَّم الموقف الغربي الداعم لإسرائيل باعتباره نتاج تحالفات سياسية ظرفية أو ضغوط انتخابية داخلية. غير أن التحليل الأعمق يكشف أن هذا التواطؤ بنيوي يتجاوز التفسير الظرفي. فالمنظومة الغربية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها موقعاً استراتيجياً متقدماً في منطقة تحتل فيها مصالح الطاقة والتوازنات الإقليمية أولويةً قصوى. هذا الحساب البارد هو ما يفسر صمت الحكومات الغربية وتواطؤها رغم وضوح الجرائم وفداحة أعدادها.
والتواطؤ لا يتوقف عند الصمت، بل يمتد إلى الفعل المباشر: صفقات الأسلحة التي لم تنقطع حتى في ذروة القصف، والفيتوات المتكررة التي تحول دون أي قرار دولي ملزم، والضغط الديبلوماسي الذي يُمارَس على الدول التي تجرؤ على موقف مستقل. والأشد فداحةً هو توظيف منظومة العقوبات الدولية بصورة انتقائية صارخة: حصار اقتصادي يُضرب في أيام حين تريد هذه الحكومات محاصرة خصومها، وعجز مُصطنع حين يتعلق الأمر بردع دولة تقترف ما يكفي كل واحدة منه لإدانة نظام بأكمله.
ما يزيد المشهد إيلاماً هو أن بعض الدول العربية انزلقت إلى ما يشبه الدور المساند ذاته، سواء من خلال التطبيع الذي أعطى غطاءً إقليمياً لاستمرار السياسات الإسرائيلية، أو من خلال التحريض السياسي والإعلامي الذي يصبّ في خانة إضعاف المقاومة وتصوير مواجهتها باعتبارها “مغامرة” لا قضية مشروعة. هكذا تجد المقاومة نفسها في مواجهة محور لا يقتصر على الجغرافيا الإسرائيلية.
ثالثاً: العجز الميداني ومتلازمة الاستعاضة
ثمة قاعدة سياسية وعسكرية راسخة: حين تعجز قوة عن تحقيق هدفها المباشر، تلجأ إلى استراتيجية الإضعاف غير المباشر. الجيش الإسرائيلي وحلفاؤه يعرفون أن كسر المقاومة في لبنان عسكرياً أمر تثبّتت صعوبته في كل مواجهة منذ عام 1982. المقاومة التي نشأت في رحم الاحتلال واستُقيت من معاناة الناس لها جذور اجتماعية وإنسانية تجعلها أعسر على الاقتلاع بالقنابل وحدها.
من هنا تنشأ الاستراتيجية البديلة: إذا لم يمكن هزيمة المقاومة في الميدان، فليكن إضعافها من الداخل. وهذه الاستراتيجية تمتد على ثلاثة مسارات متكاملة:
المسار الأول: الإنهاك المدني. استهداف المجتمع الحاضن للمقاومة وتدمير بنيته التحتية وتهجير سكانه يستهدف في جوهره قطع الصلة العضوية بين المقاومة ومحيطها الاجتماعي. المنطق هنا يقول: إذا تحمّل المجتمع المدني ثمناً باهظاً، فسيضغط على المقاومة ويُحمّلها مسؤولية معاناته. هذا المنطق الإجرامي يحوّل المدنيين إلى رهائن ورقة ضغط في آنٍ واحد، وهو انتهاك صريح لكل مواثيق القانون الدولي الإنساني.
المسار الثاني: تحميل المقاومة مسؤولية الجرائم الإسرائيلية. هذا من أشد وأبرع أدوات الحرب النفسية الموجّهة. الرسالة المتكررة في الإعلام الموالي للمشروع الأميركي الإسرائيلي تصوغ معادلة مقلوبة: “لولا المقاومة لما قصف الإسرائيليون”. هذا الطرح يقلب السببية رأساً على عقب؛ فالاحتلال سابق للمقاومة، والعدوان ليس رداً عليها بل هو حالة هيكلية مستمرة منذ عقود. ومع ذلك، تتكرر هذه المعادلة المقلوبة في فضاءات إعلامية واسعة وتجد آذاناً تصغي إليها، مما يجعل التصدّي لها ضرورة فكرية لا ترفاً نقدياً.
المسار الثالث: تفكيك الوحدة الداخلية. وهذا هو أشد المسارات خطورةً وأكثرها دقةً لأنه يعمل في خفاء نسبي ويستثمر التوترات والإشكاليات الحقيقية الموجودة في أي مجتمع وأي منظومة سياسية.
رابعاً: الاختراق السياسي وبذر الشقاق
في الحروب الكبرى، نادراً ما تسقط القلاع الراسخة من الخارج قبل أن تُنخر من الداخل. هذه الحكمة التاريخية تجعل من الاختراق السياسي وتفكيك التحالفات أداةً استراتيجية بالغة الأهمية. وفي السياق اللبناني، تتمركز هذه الجهود حول محورين رئيسيين متشابكين:
المحور الأول: بذر الشقاق بين القوى السياسية الشيعية. العلاقة بين حركة أمل والسيد نبيه بري من جهة وقيادة المقاومة في حزب الله من جهة أخرى هي من أكثر العلاقات السياسية اللبنانية استهدافاً. هذه العلاقة الشراكية التكاملية التي أثبتت صموداً امتد لعقود تُمثّل من وجهة نظر العدو وحلفائه عقبةً جوهرية أمام مشاريع التفكيك. فزرع التوتر والريبة بين الحليفين من شأنه أن يُضعف التنسيق، ويفتح فجوات في الموقف، ويوجد فرصاً للاستثمار السياسي والإعلامي.
وهنا تحديداً يكمن ما يجب التنبه إليه: أن كثيراً من الروايات والتسريبات التي تُوحي بتوترات أو خلافات بين الحليفين تصدر في توقيتات مريبة تتزامن مع تصعيد عسكري أو سياسي ضد المقاومة. ليس معنى ذلك أن كل خلاف مصطنع أو أن التباين في الرأي ممنوع، بل معناه أن قراءة هذه التسريبات يجب أن تأخذ في الحسبان من يستفيد ومن يروّج وفي أي سياق.
المحور الثاني: استهداف العلاقة بين المقاومة ومحيطها المجتمعي الأوسع. يجري تصوير المقاومة بصورة ممنهجة على أنها طرف أحادي يقرر مصير لبنان كله دون مشاورة ودون شراكة. هذه الصورة تستهدف إنتاج هوّة بين المقاومة والمكونات اللبنانية الأخرى، وتسعى إلى تحويل السؤال من “من يحمي لبنان؟” إلى “من يفرض على لبنان خياراته؟” وهو انتقال في الإطار المرجعي يخدم الأجندة الإسرائيلية-الأميركية خدمةً مباشرة.
خامساً: الحرب النفسية – معركة الوعي والإرادة
لو أن كل رصاصة تُطلَق في ميدان القتال يقابلها رصاصة في ميدان الوعي، لكانت الحرب النفسية بالغة الأثر تساوي في تأثيرها كل ما تحمله ترسانات الأسلحة. المقاومة التي تنتصر في الميدان العسكري وتنهزم في المعركة النفسية لا تحصد كامل ثمار انتصارها، بل قد تجد نفسها تخسر الحرب الأكبر رغم كسبها المعارك الصغيرة.
تتعدد أدوات الحرب النفسية الموجّهة ضد المقاومة اللبنانية ومجتمعها:
أبرزها منطق اليأس التراكمي: ضخ مستمر لرسائل تصوّر المقاومة بأنها في موقف ضعف بنيوي لا يمكن كسره، وأن الخسائر لا معنى لها، وأن “الواقعية” تقتضي التسوية والقبول بالأمر الواقع. هذا الخطاب يستهدف إنتاج إرهاق وجودي يجعل الاستسلام يبدو “عقلانياً”.
وثانيها توظيف الألم الحقيقي: الضحايا المدنيون وحجم الدمار الهائل حقائق لا يمكن إنكارها ولا يجب التهوين منها. لكن الحرب النفسية تحوّل هذا الألم الحقيقي إلى سلاح لكسر الإرادة، بدلاً من أن يكون دافعاً للتماسك ووقوداً للمقاومة. التمييز بين الشعور الإنساني بالألم وبين الاستجابة السياسية المنهجية لهذا الألم تمييزٌ جوهري يجب أن يكون واضحاً في الوعي الجمعي.
وثالثها الحرب المعلوماتية: عمليات التضليل والتزوير في السرديات الإخبارية، وتضخيم بعض الحوادث على حساب أخرى، وإغراق الفضاء الإعلامي بروايات متناقضة تُنتج في نهاية المطاف حالةً من التشكيك في كل شيء. حين لا يعرف المرء ماذا يصدّق، يميل إلى التقاعس عن الموقف.
سادساً: الاختراق الإعلامي وضرورة المناعة المعرفية
الإعلام في حروب اليوم ليس غطاءً مرافقاً للمعركة، بل هو ساحة قتال مستقلة ذات أثر استراتيجي. وقد أدرك هذا كل الأطراف المتصارعة. غير أن الطرف الذي يمتلك موارد أكبر وشبكات أوسع انتشاراً يحتل في هذه الساحة أفضلية واضحة.
منذ الأزمة اللبنانية المتفاقمة، تكثّفت عمليات التوجيه الإعلامي التي تسعى إلى: تشويه صورة قيادة المقاومة، وتضخيم الانتقادات الداخلية وإعطائها أبعاداً أكبر من حجمها الحقيقي، واستحضار الانقسامات الطائفية والمناطقية بصياغات تُوحي بأنها جوهرية لا طارئة، وتقديم المشروع الأمريكي-الإسرائيلي بوصفه “ضرورة لبنانية” لا خياراً مفروضاً.
الردّ على هذه الحرب الإعلامية لا يكون بالانكفاء أو بالإنكار الدفاعي، بل يكون بتطوير مناعة معرفية جماعية قادرة على تمييز الخبر من التحريض، والنقد المشروع من الاختراق الممنهج. هذه المناعة ليست ملكاً للأفراد المثقفين وحدهم، بل ينبغي أن تكون مشروعاً تربوياً واجتماعياً متكاملاً.
سابعاً: مقاومة الاختراق شرط للنصر
كما يُجاد في صد العدوان العسكري بالتدريب والتجهيز والتخطيط، يجب أن يُجاد في إحباط الاختراق السياسي والإعلامي والنفسي بالوعي والتنسيق والوضوح. المقاومة التي تنجح في الميدان لكنها تتداعى من داخلها تُبدّد انتصاراتها.
هذا يعني على المستوى السياسي: صون وتعميق التحالفات الداخلية، وإدارة الخلافات عبر قنوات داخلية لا تُغذّي الخصوم، وامتلاك خطاب سياسي شامل يخاطب اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم على قاعدة مشتركة من رفض الاحتلال والعدوان.
وعلى المستوى الإعلامي: بناء منظومة إعلامية متماسكة ومصداقية راسخة، والانفتاح على النقد الداخلي الصادق دون أن يتحوّل هذا الانفتاح إلى باب مشرّع للاختراق الموجَّه.
وعلى المستوى الاجتماعي: تعميق الروابط العضوية مع المجتمع المحيط وصون ثقته، وإدارة أعباء المواجهة بعدالة وشفافية تجعل من المجتمع شريكاً لا مجرد حاضنة.
خاتمة: وحدة الجبهات شرط الصمود
الحرب على لبنان ليست حرباً بين جيشين في ميدان مفتوح؛ هي حرب شاملة تستهدف الأرض والإنسان والوعي والتحالفات. من يفهم هذه الشمولية يدرك أن الصمود يتطلب جبهةً داخلية متماسكة لا تقل أهميةً عن الخنادق والمواقع. وأن الانتصار الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الدبابات التي أُوقفت، بل بقدرة المجتمع على الحفاظ على وحدته وإرادته وصون ثقته بخياراته الكبرى رغم كل ما يُوجَّه إليه من ضربات متعددة المصادر والأشكال.
التاريخ يعلّم أن المقاومات الكبرى لم تُهزم حين كانت أسلحتها أقل، بل حين تفككت جبهاتها الداخلية وتآكلت ثقة الناس بها. ومن هنا يكون الدفاع عن التماسك الداخلي والوعي الجمعي واجباً وطنياً بالمعنى الأعمق للكلمة، لا أقل أهمية من الدفاع بالسلاح.​​​​​​​​​​​​​​​​

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة