محمد المقهور
لم يسبق للمنطقة، ولبنان منها، أن عاشت مثل هذه الأوضاع بهكذا وضوح، لا هوامش للتأويل أو التفسير وسوء الفهم، الخيارات الرمادية لم تعد موجودة، ولهذا يمكن استخدام كلمة وضوح، لكنه وضوح حاد جداً، وقاسٍ جداً.
كان من الطبيعي أن تتأثر المشاريع الوطنية لدول جوار فلسطين بالقضية الفلسطينية، وبعض المشاريع، إذا لم نقل معظمها، كان يحرص، أو أقلها يحاول، أن تكون القضية الفلسطينية «الآية» الوطنية والأخلاقية، أن تكون «عباءة» المشروعية التي لا يجوز التشكيك بها، وحدث أن اتخذت بعض الحكومات القضيةَ الفلسطينيةَ شمّاعةً للتغطية على فسادها وبطشها وترهيبها، لكن أسوأ ما استخدم به اسم فلسطين، كان في اتهامات التخوين، بين بعض القوى والتنظيمات الحزبية، وداخل بعض الحكومات في التصفيات الداخلية.
المشهد اليوم مختلف، تحرص بعض الحكومات على التعامل الحذر مع كل ما يخصّ القضية الفلسطينية، وبعضها ينأى بنفسه عنها، والخطاب السائد هو بناء الدولة وتحييدها عن الصراعات، وهذا أيضاً لم يعد كافياً بالنسبة لإسرائيل، انقلبت الصورة، وصار كل مشروع أو حكومة لا تعترف واشنطن أو تل أبيب بقانوينتها، تُصنّف عدواً، وتُعامَل كعدو، والسبب ليس وحدة الأهداف أو المشتركات الاستراتيجية، السبب الرئيس هو المشروع الإسرائيلي الذي اتخذ في السنوات الثلاث الأخيرة منحىً عمودياً، مدمراً كل قواعد الاشتباك السابقة، العسكرية وغير العسكرية، وهذا ما يؤكده المسار الإسرائيلي منذ حرب غزة الأخيرة، وحرب الإسناد ٢٠٢٤، ثم هذه الحرب، وهذا يجبر المنطقة كلها على التموضع بين مشروعين، لا يستمر أو ينتصر واحدٌ، إلا بهزيمة الآخر وإنهائه.
هذا المسار الذي صار محدداً بالحروب، لا ينفصل عن قضية إنسانية وأخلاقية وقانونية: المدنيون، ضحايا هذه الحروب، تكفي الإشارة إلى أعداد الشهداء المدنيين في فلسطين أولاً، ثم لبنان. المختلف في هذه المرحلة، أن جرائم الإبادة، تُنَفَذُ بقرارٍ رسميٍ إسرائيلي، يقابله قرارٌ رسميٌ دوليٌ وعالميٌ بالصمت، وحملاتُ تهويل وترهيب لكل رافضٍ أو مستنكر ومندّد، المعادلة الإسرائيلية تقول، ما لا يُحَقق بالحرب يُحَقّق بمزيد من دماء المدنيين، تقاومون، فأقتل أهاليكم وأطفالكم ونساءكم، أدمّر قراكم ومدنكم، وأقذف بكرة النار هذه (حماية المدنيين) في حضن دولكم وحكوماتكم، أحوّلها مأزقاً للابتزاز، وهذه السياسة ستفضي حتماً إلى ما نراه في لبنان، سترتفع أصواتٌ تطالب بما يطالب به الكيان، وخطابات لا تغيب عنها مصطلحات «الوطن والسيادة» في بلد يحتاج فعلاً إلى إعادة تعريف لهذه المفردات.
ليس هناك ما يمكن أن يقال عن أحوال النازحين من الجنوب والضاحية، ومعظم هؤلاء يعرف جيداً خطورة المشروع الإسرائيلي، وأنه سيؤدّي إلى احتلال أراضيهم وقراهم ومدنهم، وأن التاريخ سيعيد نفسه، ولكن بأسماء قرىً ومدنٍ لبنانيةٍ هذه المرة، مشابهة لسابقاتها من أسماء مدن وقرى فلسطينية، حين هُجِّر أهلها وعاشوا ما يعيشه النازحون في لبنان، يعرفون أن الأرض التي يحتلها الإسرائيلي، لا يعيدها، وستكون جزءاً من دولته «التوراتية» التلمودية، وكل حديث عن انسحاب هو مناورات وكذب، وإذا حصل، لا يكون إلا بالقوة.
هؤلاء النازحون، أو الباقون في بيوتهم تحت القصف، هم جزء رئيسي في المواجهة، في الحرب، وكما يحتاج المقاتل لمقومات المواجهة والبقاء، هم أيضاً يحتاجون لمقومات الصمود والبقاء، إيمانهم بالمشروع لا يكفي وحده للصمود، يحتاجون أكثر من ذلك، وما يحتاجونه مسؤولية لبنانية وطنية بالمقام الأول، ومسؤولية عربية بالمقام الثاني، ودينية إسلامية ثم مسيحية بالمقام الثالث، وإن يكن عرض المسؤوليتين الأخيرتين من باب الإشارة فقط، بدون أوهام، ومع الأسف بدون آمال.
لا حاجة لإعادة الحديث عن الوضع اللبناني الداخلي، أو التذكير بالمواقف الرسمية وشبه الرسمية، سيكون كمن يضرب في جثة ميت، ولا أقول ذلك لأن «الضرب بالميت حرام» إنما لأن صوتي سيكون صوتاً آخر في الضجيج المقصود والوظيفي، والذي يريد القول، إن في لبنان خلافاً كبيراً بين أبناء الوطن الواحد، ليس حول مشروع المقاومة فقط، بل على فكرة العدو، وهل هو عدو، الجميع حدد موقعه وخطوطه وخطابه، في سياق وظيفي أيضاً، وهناك من يراقب المواقف ويطالب بالانتقال إلى الأفعال.
اليوم، ما يعتبره فريق من اللبنانيين اتهاماً، لم يعد كذلك عند الفريق الآخر، جزء كبير من الفريق الـ «متهم» لم يعد يعتبرها تهمة، يراها خياراً من حقه الدفاع عنه والترويج له، ومن الواضح أن الأصوات المنادية بإقامة علاقة مع إسرائيل ستصير أعلى، أياً يكن شكل وتعريف وتوصيف هذه العلاقة، وهذه الجهات ستستمر باتخاذ السياسة الأميركية غطاءً تعتبره مشروعاً في خيارها، ومن الاتفاقيات الإبراهيمية غطاءً عربياً لها.
لا بأس بعودة سريعة إلى التاريخ القريب لبلدنا، وصفه مرة هنري كيسنجر بـ«الفائض الجغرافي»، وقال عنه آرييل شارون «خطأ تاريخي»، ما كان «عتباً» واعتراضاً إسرائيلياً حين أُعلِنَت دولةُ لبنان الكبير، اقتصر على جغرافيا جنوبي الليطاني، يومها قيل، لو كانت حدود لبنان عند النهر، منذ ذلك الحين، قال الإسرائيلي بوضوح، إن هذه البقعة ضرورية لـ«دولة إسرائيل»، التي منذ إقامتها، كانت دون دستور يحدد جغرافيتها.
كيفما تكون نتائج هذه المواجهة، ستبقى نتائج معركة في حرب، ومن الضروري قراءتها والتعامل معها على أنها بداية لمرحلة جديدة، لمعركة أخرى، وسيترتب على ذلك مسؤوليات أكبر، لأن المواجهة بين المشروعين مفتوحة وصفرية، ولأن ما واجهه الأميركي والإسرائيلي في هذه المعركة كان مفاجئاً، وبما بات معروفاً عن بنيامين نتنياهو، هو يرى أن المشروع «التوراتي» ما كان يوماً أقرب إلى التحقيق كما كان قبل هذه المعركة، من قطاع غزة ومقاومته، إلى الاستباحة والتهويد المتسارع في الضفة والقدس، الأراضي التي احتلها مؤخراً في سوريا، مضافةً لسابقاتها منذ النكسة، التشرذم العربي والموقف من قضية فلسطين، مشاريع «السلام الإبراهيمي» التي يتعامل معها البعض كقدر تاريخي يُسَوَقُ له بخطاباتٍ «دينية»، وفوق كل هذا، رئيس لا يشبه أحداً ممن سبقه في البيت الأبيض، كل هذا سيكون سبباً ودافعاً لنتنياهو للاستمرار، وحتى لو تغيّر موقف واشنطن وقرارها من الحرب مع إيران، سيبقى للإسرائيلي أجندته الخاصة، وسيبقى هو والأميركي يتحيّنا الفرص، سيخلقاها، وسيتحكّما بمناطق نفوذهما، دولاً وحكومات وجماعات، لتهيئة الأرضية للمعركة المقبلة في الحرب المفتوحة، التي جنّدا لها كل إمكانياتهما الأرضية، وخطابات «سماوية»، مغرقة بالنبوءات والوعود «الإلهية المقدسة».
مع الأسف، اعتدنا التحدّث عن الجبهة الداخلية الإسرائيلية، والكلام صحيح، الجبهة الداخلية الإسرائيلية جزء لا يتجزأ عن حروبها الخارجية، والحكومة هناك تعمل بجدية على تأمين ما يلزم ليتحمّل مستوطنوها أعباءَ هذه الحروب، ضمن معادلة «التضحيات» الآنية في سبيل المشروع الأكبر، ونحن، لا بد من الإقرار أننا كلبنانيين لدينا أيضاً «جبهة داخلية» ولم يعد يُجدِ نفعاً إنكارها، كما لم يعد يُجدي التعامل مع السيادة على أنها سيادة على الأرض التي لم يحتلها الإسرائيلي بعد، في قاموس وناموس الدول، لا جغرافيا تحدّد متر الأرض المحتل، هذا المتر محتلٌ داخل كل بيت على امتداد لبنان، من جنوبه إلى أقصى شماله، ومع الأسف أيضاً، قد نكون كلبنانيين في خضم مرحلة، أقل حالاتها سوءاً يكلف البلد أثماناً فوق طاقته، لا مبالغة بالقول، قد تكون أثماناً بحجم لبنان وبقائه.
* صحافي لبناني