جوزيف مسعد
على مدار الشهر المنصرم، انصبّ تركيز دونالد ترامب ووزير خارجيته ووزير حربه على تأكيد هوية الولايات المتحدة بوصفها {دولة أوروبية مسيحية بيضاء} تخوض حرباً ضد عالمٍ غير مسيحي وغير أبيض. وفي هذا السياق، لم يكن مستغرباً أن يعمد القادة العسكريون الأميركيون، قبيل الهجوم على إيران في 28 شباط، إلى شحن جنودهم بأيديولوجيا {حرب نهاية العالم} (هرمجدون)، والترويج بأن هذه المواجهة هي الممهّد الحتمي لـ}عودة المسيح}. وتوازى ذلك مع تقارير تداولتها منصات التواصل الاجتماعي تشير إلى قيام أفراد من القوات الجوية الأميركية بتناول وجبات من شرائح اللحم والكركند (الستاكوزا) كـ}عشاء أخير} رمزي قبيل انطلاقهم في مهامهم القتالية.
ولعل أبرز مظاهر الخطاب الدعائي للإدارة الأميركية الراهنة تمثّل في ذلك المشهد المشين، حيث ظهر ترامب محاطاً بزعماء دينيين من الصهاينة المسيحيين البروتستانت الإنجيليين، وهم يصلّون ويتضرّعون من أجل تحقيق نصر أميركي-إسرائيلي مؤزر على الشعوب غير البيضاء وغير المسيحية التي تستهدفها آلتهم العسكرية.
ولا يقتصر أثر هذا الحشد الديني التعبوي على البعد الرمزي، بل يمتد ليعيد صياغة المشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة؛ حيث يتفاقم الانقسام وسط التيارات اليمينية حول غايات هذه الحرب. فبينما يصطفّ المسيحيون الإنجيليون الصهاينة واليهود الصهاينة اليمينيون في خندق التأييد المطلق للحروب ضد إيران والفلسطينيين، تبرز جبهة من اليمينيين المسيحيين الذين يحذّرون من انجرار واشنطن إلى صراعات تخدم المخططات الإسرائيلية حصراً. ويلتقي هذا الطرح مع رؤى شخصيات من اليسار الأميركي، بمن فيهم يهود تقدّميون — مثل عضوة الكونغرس سارة جاكوبز — الذين يرون أن إسرائيل هي التي دفعت الولايات المتحدة لخوض هذه الحرب.
بيد أن هذا السجال الداخلي غالباً ما يتغافل عن الأبعاد البنيوية المرتبطة بطبيعة المصالح الاقتصادية والسياسية التي تقود السياسة الخارجية الأميركية. فبدلاً من تحليل الهجوم الإمبريالي الأميركي-الإسرائيلي بوصفه أداة لخدمة طبقة المليارديرات الأميركيين المتشددين، يميل هؤلاء النقاد — من اليمين واليسار على حد سواء — إلى تبسيط المشهد بادعاء أن بنيامين نتنياهو قد استدرج ترامب وخدعه لشنّ هجوم يخدم المصالح الإسرائيلية أولاً.
وفي هذا الإطار، يستدلّ بعض اليمينيين بالحملة الممنهجة التي قادها مليارديرات أميركيون بارزون ضد إيران خلال العقد الماضي — أمثال شيلدون وميريام أديلسون، وبرنارد ماركوس، وبول سينغر — كدليل على تبنّي هؤلاء شعار {إسرائيل أولاً} بدلاً من {أميركا أولاً}، معتبرين ذلك برهاناً على نفوذ إسرائيلي حاسم في القرار الأميركي. غير أنّ هذا الطرح يتجاهل حقيقة موضوعية؛ وهي أنّ كبرى شركات الصناعات العسكرية والطاقة الأميركية مثل بالانتير، ولوكهيد مارتن، وإكسون، ورايثيون، وبوينغ، هي المستفيد المالي المباشر من هذه الحروب وتحقق عبرها أرباحاً طائلة. ولا يمكن بحال اتهام هذه الشركات بأنها تعمل تحت شعار {إسرائيل أولاً}، حتى وإن كانت ترى — كحال نخب المليارديرات — أنّ التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة يمثّل ركيزة أساسية لخدمة المصالح الإمبريالية الأميركية.
وعوضاً عن تأطير نقد الهجوم على إيران باعتباره تعبيراً عن {نزعة الحرب الإمبريالية} لدى النخب المالية الأميركية — التي تنظر للكيان الإسرائيلي كأداة ووكيل في آن واحد — يلجأ هؤلاء النقاد إلى سردية {سيطرة} إسرائيل على واشنطن، وهي سردية تؤول في النهاية إلى تبرئة الولايات المتحدة من مسؤوليتها المباشرة عن الحروب التي تشنّها.
وعليه، يصبح من الضروري التمييز بدقة بين أطروحة {السيطرة الإسرائيلية} وبين واقع الاندماج البنيوي العميق بين المؤسسات العسكرية والاستخباراتية في كلا البلدين. فرغم أنّ آلة الحرب الأميركية استوعبت الأجهزة الإسرائيلية بشكل محكم، إلا أنّ هذا الاندماج لا يعني خضوع واشنطن لقرار تل أبيب، بل يجسّد حالة من {التفويض الوظيفي}، حيث تكلّف الولايات المتحدة وكيلاً إقليمياً موثوقاً بأداء مهام استخباراتية وعسكرية تخدم استراتيجيتها الكبرى.
لقد فسّر منتقدو سياسات ترامب، من اليمين واليسار، تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو الأخيرة على أنها إقرار بأنّ إسرائيل هي مَن جرّت الولايات المتحدة إلى أتون الحرب. إلّا أنّ هذا التفسير يتغافل عن حقيقة بسيطة، وهي أنّ واشنطن، التي تمثّل الشريان الحيوي لإمدادات السلاح الإسرائيلي، كانت تملك القدرة الفورية على كبح جماح الهجوم بقرار واحد، لكنها اختارت المضي قدماً، مما يؤكد أنّ التحرّك الإسرائيلي تم بمباركة وتنسيق أميركي مسبق. بناءً عليه، لا يمكن عزل العدوانية الإسرائيلية عن الاستراتيجية الأميركية الكلية في المنطقة، بل هي جزء عضوي منها، ومن غير المستبعد أن تسعى واشنطن عبرها إلى تسعير العداء بين الدول العربية وإيران، ودفع هذه الدول للانخراط العلني في الحلف الأميركي-الإسرائيلي.
إنّ هذه الأنظمة التي استُهدفت بالردود الإيرانية كانت قد تنازلت فعلياً عن أجزاء من سيادتها لصالح واشنطن ــ ولندن وباريس أحياناًــ لإنشاء قواعد استُخدمت تاريخياً لضرب العراق وسوريا، وتُستخدم اليوم ضد إيران. ورغم ادعاء {الحياد}، فإنّ هذه الدول لا تعترض الطائرات الإسرائيلية العابرة لأجوائها، في حين تستنفر أجهزتها الدفاعية لاعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية المتجهة نحو إسرائيل والقواعد الأميركية
وبينما يتركز الجدل الأميركي حول طبيعة العلاقة مع تل أبيب، كشفت مواقف الأنظمة العربية عن أبعاد أخرى للصراع؛ فباستثناء سلطنة عُمان التي أدانت الحرب بوصفها {انتهاكاً للقانون الدولي}، وجماعة {أنصار الله} (الحوثيين) في اليمن، أحجمت بقية الأنظمة العربية عن إدانة العدوان الأميركي-الإسرائيلي، بل امتنعت عن تقديم أي لفتة ديبلوماسية لتعزية إيران في ضحاياها من الأطفال والمدنيين، سواء في مذبحة {مناب} التي أودت بحياة 165 تلميذة وموظفاً، أو في اغتيال آية الله علي خامنئي وأفراد من عائلته. وبينما آثر الرئيس التركي، رغم عضوية بلاده في حلف {الناتو}، تقديم التعازي، لاذت الحكومات العربية بالصمت؛ وهو موقف وضعه المسؤولون الإيرانيون في الحسبان خلال مباحثاتهم مع الوسطاء المصريين والأتراك.
وفي تحوّل لافت، بدت الجزائر — التي عُرفت تاريخياً بنهجها المناهض للإمبريالية — وكأنها تراجع ثوابتها؛ وهو ما تجلّى في تصويتها لصالح مقترح ترامب بإنشاء {مجلس السلام} المناهض لحقوق الفلسطينيين، وفي رفضها إدانة العدوان على إيران، وإبداء التضامن مع الأنظمة العربية في مواجهة الردّ الإيراني. وفي القاهرة، سلك شيخ الأزهر مساراً مشابهاً بتضامنه مع الإمارات والبحرين والكويت والأردن —في استثناء لافت لكل من قطر والسعودية— مع إدانة إيران دون التطرّق للعدوان الأميركي-الإسرائيلي، متجاهلاً تقديم التعزية في رحيل خامنئي، الزعيم الذي يحظى بمكانة دينية وازنة بين الشيعة في مختلف أنحاء العالم.
لا يمكن تفسير هذا التوجّس العربي أو التواطؤ الضمني بمعزل عن البنية الأمنيّة المرتبطة بانتشار القواعد الأميركية؛ فادعاء دول الخليج والأردن بأنّ إيران تنتهك سيادتها يبدو ادعاءً هشّاً أمام حقيقة استخدام القوات الأميركية لأراضيها ومجالها الجوي لضرب السيادة الإيرانية. إنّ هذه الأنظمة التي استُهدفت بالردود الإيرانية كانت قد تنازلت فعلياً عن أجزاء من سيادتها لصالح واشنطن —ولندن وباريس أحياناً— لإنشاء قواعد استُخدمت تاريخياً لضرب العراق وسوريا، وتُستخدم اليوم ضد إيران. ورغم ادعاء {الحياد}، فإنّ هذه الدول لا تعترض الطائرات الإسرائيلية العابرة لأجوائها، في حين تستنفر أجهزتها الدفاعية لاعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية المتجهة نحو إسرائيل والقواعد الأميركية.
وبموجب الاتفاقيات المنظّمة لهذه القواعد العسكرية، لا يحقّ لأي من هذه الدول معرفة عدد القوات الأميركية التي تدخل أراضيها أو تغادرها، أو التدخّل في الأنشطة العسكرية الأميركية التي تنطلق منها. وإذا كانت الاتفاقيات مع قطر والسعودية لا تزال محاطة بالسرّية التامّة، فإنّ الاتفاقية الأردنية-الأميركية المعلنة تُعدّ في نظر الكثير من الأردنيين انتهاكاً للدستور الأردني لما تنطوي عليه من مساس بسيادة البلاد. وهنا يطرح تساؤل جوهري: كيف سيكون ردّ فعل هذه الدول لو استضافت إيران قواعد روسية أو صينية تُستخدم لمهاجمة الخليج والأردن؟ ألن تعتبر ذلك مبرّراً شرعياً للردّ؟
ولعلّ أكثر ما يثير الدهشة، في هذا السياق، هو أنّ نظام الدفاع الجوّي القطري لم يُقدّم أي إنذار مبكر أو دفاع ضدّ الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في أيلول الماضي (كما لم تُحذّر الولايات المتحدة منه، رغم أنّ الإسرائيليين أبلغوها بالهجوم الوشيك)، في حين أنه بدا قادراً على رصد ومحاولة حماية القواعد العسكرية والديبلوماسية الأميركية في البلاد من أي ردّ إيراني.
يُضاف إلى ذلك ما تداولته تقارير تزعم أنّ إسرائيل تقف وراء عدّة هجمات مُفبركة استهدفت منشآت {أرامكو} النفطية في السعودية، بالإضافة إلى مواقع في عُمان وتركيا وأذربيجان. وقد نفى الإيرانيون الذين أعلنوا مسؤوليتهم عن الهجمات على الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة، وقاعدة الأمير سلطان الجوية الأميركية في السعودية (والتي يصرّ السعوديون على أنها قاعدة {سعودية} كما تصرّ باقي الأنظمة العربية بأن القواعد الأميركية القائمة على أراضيها هي قواعد وطنية لا قواعد أميركية)، أي دور لهم في تلك الهجمات الأخرى.
علاوة على ذلك، اشتكت دول الخليج العربية من قيام الولايات المتحدة بنقل أنظمة الدفاع الجوّي المتمركزة على أراضيها إلى إسرائيل، ممّا أدّى إلى تقليص قدراتها الدفاعية وزيادة الأضرار التي لحقت بالمنطقة. فمهما قدّمت الأنظمة العربية للولايات المتحدة من تسهيلات وخدمات، فإنّ هذه الخطوة الأميركية هي الدليل القاطع على أنّ إسرائيل ستظلّ دائماً أولوية واشنطن – حتى لو كان ذلك على حساب هذه الدول نفسها.
لقد كشفت هذه الحرب أنّ القواعد العسكرية الأميركية في الدول العربية، وكذلك الوجود الأميركي على أراضيها، لا ولن يوفّرا لها الحماية فحسب، بل يعرّضانها ويعرّضان شعوبها للخطر أيضاً. فلو لم تكن هذه القواعد موجودة، لكانت هذه الدول قد بقيت بمنأى عن أي ردّ إيراني.
إنّ فهم التوتر الراهن يقتضي استحضار حقائق التاريخ؛ فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، لم يسجّل التاريخ مبادرة طهران بشنّ أي هجوم عسكري على جيرانها، بما في ذلك دول الخليج العربية والأردن. ويأتي ذلك رغم الدعم الاستراتيجي — المالي والعسكري واللوجستي والديبلوماسي — الذي قدّمته تلك الدول للغزو العراقي لإيران (1980-1988)، وهو الصراع الذي حصد أرواح أكثر من مليون إنسان. ومع ذلك، لم تستهدف إيران هذه الدول بهجوم واحد، إذ انطلق الغزو العراقي من أراضيه، لا من أراضي تلك الدول العربية.
والواقع أنّ الدول العربية هي التي هدّدت إيران ودعمت العدوان عليها منذ انتصار ثورتها على دكتاتورية الشاه المدعومة من الولايات المتحدة والمتحالفة مع إسرائيل. فمنذ عام 1981، تبنّى السعوديون استراتيجية عربية – طرحها ولي العهد آنذاك الأمير فهد – هدفت إلى تطبيع علاقات جميع الدول العربية مع إسرائيل بذريعة احتواء ما زُعم بأنه تهديد إيراني، وسعت هذه الاستراتيجية جاهدة إلى إقناع الشعوب العربية بأنّ إيران، لا إسرائيل، هي العدوّ الرئيس للأمّة العربية، على الرغم من أنّ إسرائيل، كانت وما زالت، تشكّل أكبر تهديد للدول العربية وإيران على حدّ سواء.
وقد جرى لاحقاً إعادة إحياء مبادرة الأمير فهد عبر ما عُرف بـ}مبادرة السلام العربية} التي طرحها ولي العهد الأمير عبد الله عام 2002. غير أن هذه السلسلة من التنازلات العربية تجاه إسرائيل، وما اقترن بها من تواطؤ ضمني ضد إيران، لم تفرز واقعاً آمناً؛ بل أدّت عمليّاً إلى زيادة انكشاف الدول العربية والفلسطينيين — الذين يواجهون اليوم حرب إبادة جماعية — أمام آلة العدوان والتهديد.
ومع ذلك، لم تكن هذه النتائج القاسية كافية لثني الحكّام العرب عن مسارهم، وهو ما تجلّى بوضوح هذا الأسبوع في مناشدة سفرائهم لروسيا بالتدخّل والضغط على طهران لوقف ردودها العسكرية التي تستهدف المنشآت الأميركية المتمركزة في بلدانهم. وقد جاء تعقيب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، حاسماً في هذا الصدد؛ إذ ذكّرهم بأنّ انحيازهم للعدوان الأميركي-الإسرائيلي ضد إيران منذ لحظاته الأولى، يجعل من ادّعاء {الحياد} مجرد غطاء شكلي يفتقر للمصداقية والواقعية.
إذا لم تكن الأثمان الباهظة التي دفعتها هذه الدول خلال الحرب الراهنة كافية لإدراك أنّ التحالف مع واشنطن وتل أبيب هو المهدّد الحقيقي لأمنها، فمن المستبعد أن يغيّر أي حدث آخر هذه القناعة الراسخة لدى أنظمتها.
* أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك