بقلم : د. عبدالرحيم جاموس
مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، لا تبدو الحاجة ملحّة فقط لتجديد الهيئات القيادية أو إعادة ترتيب البنية التنظيمية، بل لفتح مراجعةٍ عميقةٍ وشجاعة للنظام الداخلي للحركة بوصفه الوثيقة الناظمة لمسارها السياسي والكفاحي والتنظيمي. فالنظام الداخلي ليس نصاً إدارياً جامداً، بل هو التعبير الحقيقي عن هوية الحركة، وطبيعة مشروعها الوطني، وحدود علاقتها بالشعب والسلطة والمؤسسات، وآليات تجددها واستمرارها.
لقد خاضت فتح، منذ انطلاقتها، تحولاتٍ هائلة؛ انتقلت من حركة تحرر وطني تقود الكفاح الفلسطيني المعاصر، إلى حركةٍ تحمل أعباء المشروع الوطني بكل تعقيداته السياسية والقانونية والإدارية والدبلوماسية. غير أن هذا التحول، بكل ما حمله من إنجازات وتحديات، أوجد اختلالاتٍ تنظيمية وسياسية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ جدية تعيد التوازن بين “فتح الثورة” و”فتح السلطة”، وبين الشرعية التاريخية والشرعية التنظيمية المتجددة.
وأولى القضايا التي ينبغي أن يتناولها التطوير هي إعادة تعريف الهوية الفكرية والسياسية للحركة بصورة أكثر وضوحاً وحداثة. ففتح مطالبة اليوم بتأكيد نفسها كحركة تحرر وطني ديمقراطي جامعة، تستند إلى الحق الطبيعي والتاريخي للشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، وتؤمن بالتعددية السياسية والشراكة الوطنية ووحدة التمثيل الفلسطيني، بعيداً عن الانغلاق التنظيمي أو الاحتكار السياسي. كما أن من الضروري إعادة الفصل المفاهيمي والتنظيمي بين الحركة بوصفها إطاراً وطنياً تحررياً، وبين السلطة بوصفها أداةً إدارية انتقالية، حتى لا تذوب الحركة داخل البيروقراطية الرسمية أو تفقد طابعها الكفاحي والشعبي.
وفي السياق ذاته، فإن ترسيخ الديمقراطية الداخلية أصبح ضرورة وجودية لا مجرد مطلب تنظيمي. فالحركات الوطنية تضعف حين تتحول الشرعية التاريخية إلى بديل عن التداول الديمقراطي، وحين تغيب المحاسبة لصالح النفوذ الشخصي أو مراكز القوى. لذلك فإن تطوير النظام الداخلي يجب أن يشمل تحديداً واضحاً لسقوف المسؤوليات التنظيمية، وتعزيز الانتخابات الدورية الحقيقية، واستقلالية الهيئات الرقابية والقضائية الحركية، وتكريس مبدأ المحاسبة والشفافية، بما يعيد الثقة للكادر التنظيمي ويمنح الأجيال الجديدة فرصة المشاركة والتأثير.
كما أن المؤتمر الثامن مدعو لإعادة الاعتبار لدور الشباب والمرأة داخل البنية القيادية للحركة، ليس من باب التمثيل الشكلي، بل باعتبارهما طاقة التجدد والاستمرار. فلا يمكن لحركةٍ قادت الشعب الفلسطيني لعقود أن تواجه تحديات المستقبل بعقلٍ تنظيمي مغلق أو بنخبٍ لا تتجدد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء منظومات إعداد فكري وسياسي وتنظيمي حديثة، تعيد بناء الكادر الفتحاوي على أسس وطنية وكفاحية ومعرفية متقدمة.
وفي ظل التحولات الدولية والإقليمية، يصبح من الضروري أيضاً تحديث مفهوم النضال الوطني داخل النظام الداخلي نفسه، بحيث لا يقتصر على أشكال المواجهة التقليدية، بل يمتد إلى أدوات الاشتباك القانوني الدولي، والمقاومة الشعبية، والإعلام الرقمي، والدبلوماسية الشعبية، وحماية الرواية الوطنية الفلسطينية في مواجهة محاولات التزييف والإلغاء. فالصراع اليوم لم يعد صراع جغرافيا فقط، بل صراع رواية ووعي وشرعية ومكانة قانونية وأخلاقية أمام العالم.
ولا تقل أهمية عن ذلك قضية مكافحة الترهل والفساد التنظيمي، عبر إرساء قواعد واضحة للشفافية المالية، ومنع تضارب المصالح، وفصل النفوذ الوظيفي عن القرار التنظيمي، لأن الحركات الكبرى لا تسقط فقط بالهزيمة الخارجية، بل قد تنهار أيضاً حين يتآكل بنيانها الداخلي وتفقد ثقة جماهيرها.
إن المؤتمر الثامن أمام فرصة تاريخية حقيقية؛ فإما أن يشكل محطة تجديد وطني وتنظيمي تعيد لـِفتح حيويتها ودورها الجامع، وإما أن يبقى مجرد استحقاقٍ تنظيمي عابر. ففتح التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، لا تزال قادرة على استعادة المبادرة، شرط أن تمتلك شجاعة النقد الذاتي، وإرادة الإصلاح، والقدرة على بناء نظام داخلي عصري، ديمقراطي، مقاوم، يحفظ تاريخ الحركة ويؤسس لمستقبلها في آنٍ معاً.
د. عبدالرحيم جاموس
رام الله 13/5/2026