يسود الخوف والقلق أوساط سكان تجمع جلّ البحر، الواقع عند مدخل مدينة صور بالقرب من مخيم البص للاجئين الفلسطينيين، مع كل فصل شتاء، في ظل المنخفضات الجوية المتكررة التي تضرب المنطقة برياحها الشديدة وأمواجها العاتية. وتزداد المخاوف عاماً بعد عام بسبب هشاشة المنازل التي تقطنها عائلات فقيرة، ما يجعلها عرضة للانهيار أمام أي مدّ بحري قوي.
وخلال المنخفض الجوي الذي تشهده المنطقة منذ ثلاثة أيام، تضررت خمسة منازل في التجمع نتيجة المدّ البحري، ما أدى إلى أضرار جسيمة وانهيارات جزئية في عدد من البيوت، مهدداً سلامة قاطنيها ومفاقماً من معاناتهم الإنسانية.
وعلى إثر ذلك، زار عضو أمانة سر اللجان الشعبية في منطقة صور، يحيى عكاوي، تجمع جلّ البحر، حيث التقى أمين سر التجمع، حمد الدرويش (أبو مصطفى)، للاطلاع ميدانياً على حجم الأضرار التي لحقت بالمنازل المتضررة. كما اطمأن إلى سلامته بعد تعرضه لرضوض أثناء جولة ميدانية كان يقوم بها لتفقد البيوت المتضررة جراء الأمواج العاتية والمنخفض الجوي.
وخلال اللقاء، قدّم أبو مصطفى شرحاً وافياً حول نشأة تجمع جلّ البحر، وعدد سكانه، وطبيعة أعمالهم، إلى جانب الظروف المعيشية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يواجهها الأهالي، إضافة إلى أبرز التحديات والمشكلات التي يعانون منها بشكل يومي.
ويعود تأسيس تجمع جلّ البحر إلى بدايات النكبة عام 1948، إثر اقتلاع وتشريد الشعب الفلسطيني من أرضه ومصادرة ممتلكاته على يد العصابات الصهيونية. ومن بين العائلات التي لجأت إلى لبنان آنذاك، استقر عدد منها في هذه المنطقة، حيث شيدوا منازلهم على امتداد كيلومتر واحد من شاطئ مدينة صور. ويضم التجمع اليوم نحو 340 منزلاً، معظمها لا يزال مبنياً من الصفيح ومواد بدائية، ويقطنه قرابة ثلاثة آلاف نسمة.
ويعتمد غالبية سكان التجمع على العمل المياوم، لا سيما في الصيد البحري والزراعة، فيما ترتفع نسبة الفقر والحرمان بشكل كبير، إذ يعيش معظم الأهالي تحت خط الفقر. ويعود هذا التردي في مستوى المعيشة إلى جملة من العوامل، أبرزها القوانين المجحفة بحق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولا سيما الحرمان من الحقوق المدنية والاجتماعية، إضافة إلى الملاحقات والتضييقات التي تمارسها البلديات المتعاقبة في قضاء صور.
وأوضح أبو مصطفى أن سكان التجمع، رغم امتلاك العديد منهم رخص صيد قانونية، يُمنعون من مزاولة الصيد البحري، ويتعرضون للملاحقة والمنع بشكل دائم، إلى جانب التهديد المستمر بين الحين والآخر بهدم منازلهم وإزالتها. كما يُحرم الأهالي من ترميم بيوتهم المتضررة جراء الأحوال الجوية، ويُمنعون من إدخال مواد البناء اللازمة للإصلاح، ما يفاقم من حجم المخاطر التي تهدد حياتهم.
وفي هذا السياق، طالب أمين سر تجمع جلّ البحر وكالة «الأونروا» بالتدخل السريع لبناء سدّ بحري يحمي التجمع من المدّ والأمواج، والعمل على ترميم المنازل المتضررة، في ظل العجز الكامل لغالبية السكان عن تحمل كلفة الإصلاح بسبب الفقر المدقع. كما ناشد الدولة اللبنانية السماح بإعطاء التراخيص اللازمة لترميم المنازل وبناء السد البحري، باعتباره من القضايا الأساسية والملحّة التي تشكل عامل حماية وأمان لسكان التجمع.
ويبقى تجمع جلّ البحر نموذجاً صارخاً لمعاناة اللاجئين الفلسطينيين المستمرة منذ عقود، حيث تتداخل قسوة الطبيعة مع قسوة الواقع المعيشي والقانوني، لتضع آلاف العائلات أمام خطر دائم يتهدد مساكنهم وحياتهم، في انتظار حلول إنسانية عادلة تضمن لهم الحد الأدنى من الأمان والكرامة.
