في وقتٍ يرزح فيه قطاع غزة تحت وطأة الحرب والانهيار الصحي والبيئي، دقّ الأطباء ناقوس الخطر مع ظهور مرض بكتيري جديد في مخيمات النزوح يُعرف باسم “ليبتو سبيروز”، عقب تسجيل إصابات خطيرة بين النازحين، وسط بيئة مثقلة بالفيضانات وتلوث المياه وانتشار القوارض، ما ينذر بموجة جديدة من الأوبئة التي تهدد حياة آلاف العائلات في ظل عجز المنظومة الصحية ونقص حاد في أدوات التشخيص والعلاج.
وحذّر مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، بسام زقوت، من مخاوف جدية بشأن انتشار المرض، مؤكّدًا تسجيل خمس إصابات مؤكدة في المناطق الجنوبية من القطاع، أربع منها لا تزال ترقد في أقسام العناية المركزة، في مؤشر على خطورة الحالة الصحية للمصابين.
وأوضح زقوت، في تصريح صحفي، أن الاشتباه بظهور المرض جاء عقب موجة الفيضانات التي شهدها القطاع خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، والتي أدّت إلى اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي، وانتشار واسع للقوارض، ما هيّأ بيئة مثالية لانتقال الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة.
وبيّن أن مرض “ليبتو سبيروز” يُرجّح انتقاله عبر بكتيريا موجودة في بول فئران مصابة، تصل إلى المياه الراكدة ثم تنتقل إلى الإنسان من خلال الجروح أو التشققات الجلدية أو عبر الأغشية المخاطية للعين والفم، مشيرًا إلى أن الأطفال والنساء وكبار السن هم الفئات الأكثر عرضة للإصابة.
وأضاف أن الأعراض تبدأ غالبًا بشكل مفاجئ، وتشمل ارتفاعًا شديدًا في درجة الحرارة، وآلامًا حادة في العظام والعضلات، والتهابًا واحمرارًا في العين، فيما تظهر في المراحل المتقدمة أعراض أكثر خطورة مثل اصفرار الجلد والعينين، الأمر الذي دفع الطواقم الطبية في البداية للاشتباه بإصابة المرضى بالتهاب الكبد الوبائي.
وأوضح زقوت أن وجود إصابات سابقة بالكبد الوبائي لدى بعض المرضى دفع الأطباء إلى توسيع دائرة الفحوصات، لترجّح لاحقًا أن السبب هو مرض “ليبتو سبيروز”، مؤكدًا أن المرض غير معدٍ ولا ينتقل من شخص إلى آخر، إلا أن البيئة الحالية في قطاع غزة ترفع من احتمالية زيادة أعداد الإصابات.
استمرار الحرب
من جانبه، حذّر مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، من خطورة الوضع الصحي في ظل استمرار الحرب والحصار.
وقال البرش في تصريح لمراسلنا: “نحن نواجه تهديدًا صحيًا حقيقيًا، فانتشار أمراض مرتبطة بالمياه الملوثة يعكس انهيار البنية التحتية الصحية والبيئية. غياب أجهزة الفحص المخبرية ونقص الأدوية والمضادات الحيوية اللازمة قد يحوّل عددًا محدودًا من الحالات إلى تفشٍ واسع يصعب السيطرة عليه”.
وأضاف البرش أن المستشفيات في القطاع تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، خصوصًا أقسام الطوارئ والعناية المركزة، محذرًا من أن التأخر في التشخيص والعلاج قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، أبرزها الفشل الكلوي، والتهاب الكبد، والنزيف الداخلي، والتهاب السحايا، وقد يكون المرض مميتًا في بعض الحالات الشديدة.
تداعيات حظر المنظمات الدولية
وفي سياق متصل، أعربت الجهات الطبية عن قلقها البالغ من التهديدات الأخيرة بإيقاف عمل 37 منظمة دولية داعمة للقطاع الصحي، معتبرة أن هذه الخطوة ستقوض الجهود المحدودة لكبح انتشار الأوبئة، وستضع القطاع أمام كارثة إنسانية وصحية يصعب احتواؤها في ظل شح الموارد واستمرار الحصار.
ووجّهت وزارة الصحة نداءً عاجلًا للمواطنين بضرورة الالتزام بالنظافة الشخصية، وتجنّب ملامسة المياه الراكدة، ومنع الأطفال من اللعب في أماكن تجمع المياه، إلى جانب تغطية الجروح وتعقيمها، بالتزامن مع مطالبة المجتمع الدولي بالضغط من أجل إدخال الأجهزة الطبية، وأدوات الفحص المخبرية، ومواد إعادة تأهيل المراكز الصحية المدمّرة.
ويُعد مرض “ليبتو سبيروز” من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، وينتشر عادة في مناطق النزوح والكوارث والحروب، ما يجعل ظهوره في غزة مؤشرًا خطيرًا على تحوّل تداعيات الحرب من أزمة إنسانية إلى أزمة صحية تهدد حياة السكان، لا سيما الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.